كتاب د. الشريف رحماني ” أموال البلديات بين الحاضر والمستقبل ” يصنع الحدث بالصالون الدولي للكتاب

التقى مساء أول أمس الوزير السابق الشريف رحماني مع جمهوره من القراء في معرض الدولي الكتاب  ،بمناسبة إصداره لكتاب حول تسيير أموال الجماعات المحلية بنسختين الفرنسية و العربية.

و قد شهد الجناح المخصص للكاتب بدار القصبة، وفود المئات من محبي السفير الأممي لقضايا الصحاري والأراضي القاحلة السيد الشريف رحماني منذ قدومه للمعرض و بداية البيع بالإهداء ، كما عرف الجناح حضور العديد من الشخصيات.

لقد قام الكاتب الشريف رحماني بصياغة هذا الكتاب في وقت أصبحت فيه البلدية موضوع الساعة، وأخضعه للتحديث والإثراء على ضوء التطورات و القوانين الجديدة، ليمنح للقارئ مشهدا بانوراميا Panoramique شاملا لكامل المواضيع ذات الصلة بالتمويلات و فروع المحاسبة في البلديات، و قدم العمل في شكل  مقاربة ميسرة ودينامكية أحاط فيها بكل ما ينبغي ان يعلم أو يستخلص حول تنظيم المالية المحلية واشكاليتها و تموقع البلديات في النظام السياسي الجزائري.

لقد أصبحت الجماعات المحلية، مستهل هذا القرن الواحد والعشرين، تنافس الدول والأمم في بعض اختصاصات السيادة التي كانت في الماضي القريب احتكارا للدولة ، وهذا في عالم ينحو إلى مزيد من العولمة(mondialisation)  التي باتت تهيكلها الشبكة العنكبوتية (internet).  ومعاكسا لهذا نلاحظ انه لم يسبق للإنسان ان أحس بضرورة الاقتراب من إقليمه، وهويته وجذوره والتواصل معها مثلما هو عليه اليوم.

فوجود الإنسان ينتظم بطريقة شرعية داخل الفضاءات  المحلية ومن حولها بوصفها مجال الإقامة والعيش ، والبلديات تتموقع في قلب هاته الحركية العنيدة.

وفي هذا السياق تشكل كل بلدية مكونا سياسيا ، اجتماعيا ، اقتصاديا وماليا بذاته إلا أنها تمثل المرتكز الأول للسلطة حيث يصبو المواطن يوميا، ـ بصرف النظر عن الرزنامات و الأجندات الانتخابية ـ  إلى ترسيخ مزيد من الحرية والتحرر والتطور والمسؤولية وتقرير مصيره بذاته داخل هذا المجال.

إن البلدية بوصفها مجموعة محلية ذات طابع إقليمي لها خصوصية وظيفية تسمح لها بالنشاط في جميع المجالات بكل حرية ما لم توجد تدابير تشريعية تحرم ذلك، وهي أداة أساسية للوصول لهاته الغاية تكمن في وفرة الأموال المحلية.

وعلى المستوى المالي فإن رئيس المجلس البلدي يعتبر الآمر بالصرف ، وبهذه الصفة يقترح الميزانية على الجمعية للتصويت عليها و يأمر بالإنفاق و بتحريك السيولة و إصدار الحوالات، كما هو مكلف بالمحاسبة الإدارية للعمليات التي ينفذها و يقدم نهاية كل تسيير جردا إداريا لفحصه من قبل المجلس، و هو مسؤول على توازن الميزانية.

ولذا يجب أن تسير الحسابات و الأموال وفق الحاجة الملحة لتوازنها، هذا التوازن المنشود هو في آن واحد غاية وأيضا مبتغى كل بلدية منذ لحظة تقرير الأمر بالصرف إلى غاية إنجازه في وقت ازدادت فيه حاجيات المواطن.

ومن أجل الحصول على هذا التوازن لا يباح أن ينساق المنتخب إلى تهوين حجم النفقات عند بداية التسيير أو في نهايته، أو يعتمد التزامات تتجاوز ما كان مقررا من قبل، ويعتبر هذا مخالفة و خروج عن سنن إعداد الميزانيات، وتمس بمصداقية البلدية.

لأن المواطن يطالب شرعا و دوما بالمزيد، في عالم لا يعرف سوى لغة المنافسة و القدرة على رفع التحديات.

 

فمن نافلة القول أن عالم المالية والمحاسبة في البلديات قد حاد عن مجراه الطبيعي، حيث أصبح بحاجة للعصرنة و التحديث في إعداد الميزانية ، وتفادي العجز والإفلاس كليا.                                                                                                     فقد ازدادت معه النتائج السلبية على درجات متفاوتة ، بينما بقيت الخطب الاخلاقية الرنانة والبليغة حول اللامركزية و حسن التسيير مادة استهلاكية مملة لا تسمن ولا تغنى من جوع.

كل ذلك يحتم التحكم فورا لهذا الانحراف المالي البطيء في البلديات ، وإيقافه دون تردد أو الحد منه ، على الأقل.

و قد ضمن هذا المؤلف ، التعامل مع الموضوع بمقاربة منهجية مبتكرة حيث أولى اهتماما خاصا للبعد المالي البالغ الأهمية لأنه أساس نشاط المنتخبين و انجازاتهم خاصة و أن المؤلف على إلمام بالموضوع بحكم خبرته الميدانية حيث أنه أمضى ثلاثة عقود من عمره في خدمة الجماعات المحلية واللامركزية.                                                                                                   إذا كان هذا العمل قد منح الأفضلية للجانب المالي و المحاسباتي، بوصفه معطى حاسما  في تثبيت اللامركزية والديمقراطية وتحديث وتقوية البلديات، فانه قد لفت الانتباه إلى ان تطور الجماعات المحلية لا يمكن ان يختزل في مسائل النظام المالي والمحاسباتي وحده كما لا يخفى على القارئ .

فقد حاول الاهتمام  بجوانب أخرى لا تقل أهمية عن الجوانب المالية والمحاسباتية، ان لم تكن هي الجوانب المصيرية والفاصلة و الحيوية ، على غرار الجانب المؤسساتي، وحتمية توزيع الصلاحيات بين السلطة المركزية والبلدية، وما بين الولاية والبلدية،  والتنظيم الإقليمي،  والتقسيم الاداري للتراب، وكذا نظم التسيير وأساليبه ، و صيغ المناجمنت management في الإدارة ،  و منطلقات إصلاح المالية المحلية.

كما تطرق في الأخير لمسألة تثمين الموارد البشرية الشابة و التكوين وسبل مساهمة و إشراك المواطن في رسم مستقبله و مصير أحفاده .

كل ذلك يدفعنا إلى الاعتناء بهاته الجوانب المصيرية ، التي لا بد من إدراجها ضمن مقاربة منسقة  و مشروع متناغم  يتكفل بشكل فعال بالنظام المؤسساتي ، و تضع حدا للتداخل بين السلطات ، و تعمل على بسط علاقات هادئة  موزونة مبنية على الثقة بين الإدارة  و ممثليها مع المنتخبين المحليين في بلدياتهم .

فلا ريب ان هاته القضايا المطروحة بإلحاح هي جوهر ولب، في زمن باتت فيه الالتزامات المتنامية للجماعات المحلية -في مجالات النشاط الاقتصادي والاستثمارات- شرطا أساسيا للنهوض بتنمية وطنية أرهقتها البيروقراطية وأعاقها نظام مالي  يزداد ثقله و أثقاله يوما بعد يوم. ان النظام المالي للبلديات الذي تكتم أنفاسه مركزية التسيير، وممارسات غارقة في شكليات و تفاصيل ثانوية – موروثة عن الحقبة البائدة – هو نظام عاجز و غير قابل للتجديد إلا بإعادة حقن الأموال الكامنة، الجامدة والمتراكمة في طيات الاقتصاد يوزع خيرها و تدر الربح على عموم المواطنين في الجماعات المحلية و البلديات.

فالأمر كما نرى يتعلق في المقام الأول باعتماد تطوير متدرج يمنح السلطات المحلية صلاحيات ضريبية أوسع لتحل مع الزمن محل النظام الحالي المبني على التمويل عن طريق حقن المنح والدعم والمساعدات المقدمة من السلطات المركزية ، هذا التمويل القديم الذي لم ينتج عنه سوى تفشي و استفحال روح الاتكال من جهة و القضاء على روح المبادرة و المجازفة من جهة أخرى عند كل من المنتخب و المواطن.

إلى ذلك يتوجب ان يشرع في تحول عقلاني لإحداث قطيعة مع ثقافة هيمنة الفكر الإداري في التسيير والاتكال على الإدارة  ليستخلفه ترسيخ ممنهج لثقافة احتساب المردودية الاقتصادية، التي لن ينتج عنها سوى استقطاب أشمل للطاقات الخلاقة الخالقة لمشاريع ناجحة تجذب المستثمرين. و بالتوازي البحث و دراسة واكتشاف مصادر الثروة الكامنة في الإقليم المحلي، بالاعتماد على الكفاءات بكل مشاربها.

وبوصفه صورة عاكسة للمجتمع الجزائري، فان النظام المحلي ومنه على وجه التحديد النظام المالي المحلي الجزائري يتميز بالتنوع، وبقدر من التعدد يحتاج بلا ريب إلى جهد من التعديل والتطوير.

وعلى ضوء ما سبق يتضح مدى  ضرورة  التعريف بالأموال المحلية و البلديات و توضيحها و الإحاطة بتحدياتها، كشرط أساسي حتمي لازم  لضمان نجاح أي عمل إصلاحي مستقبلي .

ضمن هذا التصور والاستعداد الذهني، يحاول الشريف رحماني التأسيس لمقدمات تؤطر نقاشا مستقبلي لا مفر منه حول قضية المبادلات والمسؤوليات المحلية في بلادنا كما دعت إليه الحكومة.

ولا بد لهذا النظام المحلي ان ينفتح على التغيير عاجلا أم آجلا، بما يكرس فيه قدرا اكبر من الحريات المشروعة لفائدة المنتخبين والمواطنين مهما كان مستواهم وثراهم.

وأخيرا ، فمن المهم الإشارة إلى حتمية تجديد النظام المؤسساتي المحلي ، الذي يكاد يكون جامدا قد أصابه الصدأ المشل .

والسبيل  إلى ذلك  هو رسم مسارات بيانية جديدة ذات أهداف منتقاة و محددة، يدعمها توسيع توزيع الإنابة في المسؤوليات لتشمل جميع المستويات، فضلا عن نبذ و محاربة ثقافة التشكيك، وانعدام الثقة بين مختلف الفاعلين . وفوق كل ذلك إحياء وإنعاش روح الشراكة، وتنمية ثقافة التقاسم والتكافل والمبادرة الخلاقة ، وعلى رأسها الطاقات الشابة.  فهذا الكتاب يعتبر مؤشرا ودليلا عمليا مفيدا يسعى إلى مرافقة تطلعات المنتخبين والإداريين والتقنيين و الطلبة.

وبصورة عامة الإجابة بقدر الإمكان على العديد من الاستفسارات التي يطرحها المستثمرين والجمعيات والأحزاب والمواطنين أصحاب القرار الأول و الأخير.

وهو إلى جانب ذلك، وربما في المقام الأول يرمي إلى بدر بذور نقاش لا مناص منه حول مضامين وحدود الحريات والمسؤوليات المحلية ، والبلدية ملزمة في خضم هاته الظروف بتحرير المبادرات و تحقيق مسارها قصد الوصول إلى مرونة اكبر وأوسع لمؤسساتها و مواطنيها.

وللإشارة فإن الكاتب يعمل لتحضير كتاب جديد يتناول مسائل مهمة حول المؤسسات المحلية.

بواسطة أخبار دزاير

أخبار دزاير: جريدة إلكترونية وطنية شاملة تهتم بنشر أهم الأخبار الوطنية، الثقافية والسياسية ووالاجتماعية والرياضية بالجزائر.

تعليقان

  1. ممكن توفير الكتاب بصيغة pdf أو إرساله إلى بريدي الالكتروني

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.