نشر كلمة د. العربي ولد خليفة في أشغال القمة الـ 17 لحركة عدم الانحياز بفنزويلا

تنشر أخبار الجلفة كلمة رئيس الوفد الجزائري، رئيس المجلس الشعبي الوطني د. محمد العربي ولد خليفة أمام القمة السابعة عشر لحركة عدم الإنحياز، وذلك خلال لقاء جزيرة مارغريطة (فنزويلا) 17-18 سبتمبر 2016.

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة،

يسعدني بهذه المناسبة التاريخية الفارقة أن أتوجه بالشكر والامتنان لشعب فنزويلا الصديق وقيادته رئيسا وحكومة على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، والتنظيم المحكم لأشغال هذه القمة. كما أودّ أن أنوّه بالجهود الكبيرة التي بذلتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال رئاستها للقمة السادسة عشر من أجل تكريس النسق القيمي والمعياري لحركة عدم الانحياز في التفاعلات الدولية تحقيقا للغايات الكبرى التي أسست من أجلها حركتنا.

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة،
بعد أزيد من نصف قرن عن إنشاء حركة عدم الانحياز تبقى فلسفتها صالحة لزماننا هذا على الرغم من تغير طبيعة التوزيع العالمي للقوة وعمق التحولات التي شهدتها المنظومة الدولية على المستويات القانونية والبنيوية… مع نهاية القطبية الثنائية القائمة على الصراع الايديولوجي الذي أفرز حربا باردة ونزاعات بالوكالة ومعضلة إستراتيجية قوامها الاستقطاب والسباق نحو التسلح. كما تتميز المرحلة الحالية بتنوع وتعقد المسارات المتشابكة للعولمة التي جعلت العالم يعيش نفس اللحظة الإنسانية بفعل ثورة الإعلام والاتصال وكثرة المصالح المتداخلة بين الدول وتنوع مجالات التفاعل التي لم تعد منحصرة في الجغرافيا الكلاسيكية بل تعدتها للمجال الفضائي وللفضاء الافتراضي وهذا ما زاد من ميوعة الحدود المادية والاعتبارية والاقتصادية وحتى الهوياتية مما خلق نقاشات كبرى حول مستقبل النظام الدولي الذي يعيش حالات من البحث عن توجهات الحاضر وآفاق المستقبل.
لذلك يشكل موضوع هذه القمة السابعة عشر عن “السلم، السيادة والتضامن من أجل التنمية” إختيارا سديدا وموفقا بالنظر لطبيعة الرهانات والتحديات والتهديدات التي نواجهها في سياقنا الحالي، فكثير من الدول الأعضاء في حركتنا قد كانت ضحية إستراتيجيات الإنهاك والإضعاف بل وحتى التفكيك كما نلحظه بالخصوص في إفريقيا والعالم العربي …، وعديد الدول، خاصة في إفريقيا، المصنفة في خانة الدول الأقل نموا الأمر الذي يجعلها تعاني من إستدامة الفقر والتهميش وعدم الاستقرار وما ينجر عن ذلك من تداعيات على أمن القارة الإفريقية على الرغم مما تزخر به من ثروات وموارد وموقع استراتيجي وموارد بشرية.
كما تعيش الدول والشعوب عبر المعمورة تهديدات مرتبطة بالتقلبات المناخية وانتشار الأمراض والأوبئة وكثرة الأزمات الإقتصادية والمالية الناتجة عن البنية غير العادلة للإقتصاد العالمي، واضطرابات السوق العالمية للمحروقات وما ينجم عن ذلك من أثار سلبية على تنمية المجتمعات وإستقرار الدول. وبالإضافة إلى ذلك، أصبح الإرهاب ظاهرة عالمية بانتشار تنظيماتها الإجرامية وبتنقل المقاتلين الإرهابيين الأجانب عبر الحدود وتحالف التنظيمات الارهابية مع شبكات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات.

 

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة،

يبقى الإرهاب بكل أصنافه ومنابعة وأشكاله العدوانية التحدي الأمني الأساسي الذي نواجهه لما لهذا التهديد من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية خطيرة. تعرب الجزائر، في هذا الصدد، عن قلقها الشديد إزاء تصاعد وانتشار العمليات الإرهابية عبر كل مناطق العالم وبشاعة المجازر والأعمال الاجرامية التي تطال الافراد والممتلكات دون تمييز لعرق أو جنس أو دين خاصة في الدول التي عرفت التدخل الأجنبي مما نتج عنه تفكيك مؤسساتها الوطنية وأدى إلى فراغ أدخل الدولة في صراعات بين قبائل وطوائف وميليشيات وجماعات إرهابية تهدد الأمن الوطني والدولي وتنشر الرعب في القارات الخمس.
الجزائر التي عانت من الهمجية الإرهابية، لأزيد من عقد كامل في التسعينيات من القرن الماضي، في ظل صمت دولي مريب، تمكنت لوحدها وبتبني إستراتيجية وطنية مبدعة قائمة على القانون ومحترمة لحقوق الإنسان وقوامها سياسة السلم والمصالحة الوطنية التي بادر بها رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة والتي سمحت للجزائر من استعادة أمنها واستقرارها ومباشرة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة لبرامج إصلاحية على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والدستورية مما جعل من بلدنا نموذجا للتنمية الانسانية وجزيرة للأمن والاستقرار في إفريقيا والعالم العربي … كما أصبحت التجربة الجزائرية للمصالحة الوطنية نموذجا تبنته عدد من الدول لتحقيق أمنها وإستقرارها.
اعتمدت التجربة الجزائرية الرائدة في تحقيق الاستقرار والأمن على مقاربة ناجحة ترى أن محاربة الارهاب لا يجب أن تقتصر على الجوانب الأمنية فحسب، بل تقتضي تفعيل سياسات وإستراتيجيات الحوار والمصالحة الوطنية، عبر طرح بدائل واعتماد مبادرات شاملة لاجتثاث التطرف العنيف وتفكيك منابعه الفكرية والعقائدية والمالية.

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة

إن الشعب الفلسطيني، ورغم كل المكتسبات التي حققها بفضل نضاله البطولي لصالح قضيته الوطنية العادلة، لا زال يواجه تحديات جسام ومخاطر كبيرة يأتي في مقدمتها استمرار احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية وتصاعد الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الانسان الفلسطيني، كل هذا ناهيكم عن سياسات الاستيطان ومحاولات تهويد القدس الشريف مع إستمرار فرض الاحتلال الاسرائيلي للحصار اللاإنساني والجائر على قطاع غزة الفلسطيني.
تكشف هذه الممارسات الإسرائيلية، مرة أخرى، عن تمادي الاحتلال في تحدي الشرعية الدولية وعن مناوراته المتكررة لفرض سياسة الأمر الواقع والتملص من التزاماته، ومحاولة القضاء بالتالي، على مشروع الحل القائم على الدولتين التي تمكن فلسطين من إقامة دولة ذات سيادة وقابلة للعيش والاستمرار.
تؤكد الجزائر، بهذه المناسبة، عن تقديريها لحركة عدم الانحياز نظير تضامنها مع الشعب الفلسطيني والتي ظلت ، على مر العقود، سندا قويا للنضال الوطني الفلسطيني خاصة عن طريق لجنة القدس …، فعلينا كحركة قائمة على المبادئ الانسانية والتضامن أن نواصل هذا الدعم، وأن نعززه، حتى إقامة الدولة الفلسطينية السيدة وعاصمتها القدس في حدود 04 جوان 1967.

 

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة

يشكل البحث عن الأمن والاستقرار أولوية عالمية ولقد كان لبلدي الجزائر مساهمات بناءة كثيرة في جوارها الجيو – أمني، بصفتها عامل استقرار في محيطها الجيوسياسي، دون تدخل في شؤون الغير مع احترام صريح لقواعد ومبادئ القانون الدولي مثلما هو جلي في مساهماتها بالوساطة الدولية حول الأزمة المالية والتي أفضت إلى إبرام اتفاق الجزائر حول السلام والمصالحة بمالي في ماي 2015.
ورغم التحديات المتعددة التي مازال يواجهها الوضع في هذا البلد، فإن اتفاق الجزائر قد فتح أفاقا حقيقية لحل الازمة المالية بمختلف أبعادها. ومن هذا المنبر، أدعو المجتمع الدولي إلى مواصلة دعمه لدولة مالي قصد مساعدتها على بسط سلطتها في كافة أرجاء البلاد وبعث مشاريع للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تعود بالفائدة على الشعب المالي، وتساهم في دحر التنظيمات الإرهابية التي مازالت تهدد الأمن في هذا البلد وفي منطقة الساحل برمتها.
كما نعبر عن ارتياحنا للتطورات الايجابية التي بدأ يعرفها الوضع في ليبيا الشقيقة والذي بدأت نتائجه تتجسد على أرض الواقع بمباشرة حكومة الوفاق الوطني لعملها من العاصمة طرابلس.
إن الجزائر، التي وقفت إلى جانب الشعب الليبي الشقيق منذ اندلاع الازمة في 2011، ستواصل دعمها له ولبعثة الأمم المتحدة في ليبيا وذلك من اجل استعادة مؤسسات الدولة الليبية لسلطتها وعودة الأمن والسكينة بالقضاء على عناصر الفرقة والتشرذم مع تغليب الحوار والمصالح العليا للشعب الليبي والعمل على القضاء على التنظيمات الإرهابية بما فيها داعش التي وجدت في فوضى السلاح والمليشيات ملاذا لها.
هذا ولازال الوضع في سوريا يشكل مصدر انشغال عميق لبلدي وذلك بالنظر لهول الازمة الانسانية واتساع رقعة القتال التي طالت كل أرجاء البلاد مهددة كل مؤسساته وسكانه. وقد وفرت هذه الوضعية للمجموعات الارهابية المجرمة أرضية خصبة لتنفيذ مشروعها التدميري والتفكيكي لسوريا الشقيقة.
وقد دعت الجزائر، منذ البداية، كل الأطراف السورية إلى تبني مسار سياسي للتوصل الى حل يضمن التكفل بالمطالب المشروعة للشعب السوري في العدالة والحرية والتنمية والعيش في أمن وأمان، وصون سيادة الدولة السورية ووحدتها الترابية بعيدا عن التدخلات الأجنبية. وإذ تؤكد الجزائر على دعمها لجهود الأمم المتحدة لحل هذه الأزمة، فإنها لن تدخر جهدا ضمن مشاركتها في المجموعة الدولية لأصدقاء الشعب السوري لتجسيد هذا الدعم.

 

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة،

وفي سياق التحولات العميقة التي يشهدها العالم فإن الإنسداد الذي تعرفه، منذ سنوات، عملية نزع السلاح يمثل مصدر انشغال كبير لحركتنا، لا سيما ما تعلق بإستمرار وجود الاسلحة النووية وذلك رغم مرور قرابة نصف قرن عن إعتماد معاهدة حضر الانتشار النووي، وما إخفاق مؤتمر المراجعة التاسع، الذي نظم سنة 2015، إلا دليل اضافي على اصرار الدول الحائزة على الأسلحة النووية على التشبث بملكيتها الحصرية لهذه الأسلحة الفتاكة رغم الالتزامات التي قطعتها على نفسها من خلال المعاهدة ومؤتمرات المراجعة المتتالية.

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة

لقد كان لوقوف حركة عدم الانحياز إلى جانب الشعوب المطالبة بحريتها واستقلالها، منذ نشأتها، الأثر البالغ في انعتاق هذه الشعوب من أغلال الهيمنة الاجنبية والاستعمار، وإذ تسجّل الجزائر الموقف المبدئي والثابت للحركة المؤيد لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، فإنها تدعو الدول الأعضاء لمواصلة هذا الدعم لا سيما في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها قضية الصحراء الغربية حيث يتسم الوضع الحالي بتصلب المواقف وانسداد أفق عملية السلام التي لم تحقق أي تقدم منذ ما يزيد عن 10 سنوات، ناهيكم عن التحديات الكبرى التي تواجهها بعثة الامم المتحددة المكلفة بتنظيم استفتاء تقرير المصير بالصحراء الغربية (المينورسو)، جراء الإجراءات الأحادية المفروضة عليها وعلى أفرادها والرامية إلى تقويض دور الامم المتحدة وبعثتها في هذا الاقليم المحتل.
وأمام هذا التراجع الخطير الذي قد يعقد الصراع بين طرفي النزاع، المغرب وجبهة البوليزاريو، فإننا ندعو الأمم المتحدة ومجلس الأمن، على وجه الخصوص، لتحمل مسؤولياته كاملة والعمل على إعادة المسار الاممي إلى سكته بما يكفل للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير المصير وفقا للوائح الأمميّة ذات الصلة.

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة

لازال القلق يساورنا بخصوص التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها بلدان الجنوب بما في ذلك استفحال ظاهرة الفقر المدقع في كثير من المناطق وغياب التمويل الكافي لبرامج التنمية بسبب تراجع الاستثمارات الاجنبية والمساعدات العمومية للتنمية بالإضافة لاستمرار الاختلالات التي تطبع المبادلات بين الشمال والجنوب وهذا ما يطرح ضرورة الاصلاح الشامل والعادل للنظام الاقتصادي والمالي الدولي ليكون أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات البلدان النامية وهو ما فتئت تدعو إليه الجزائر منذ عقود بقيامها بعديد المبادرات خاصة دعوتها لنظام اقتصادي دولي جديد في مؤتمر الجزائر للحركة ومن خلال المبادرة الجديدة لتنمية افريقيا (النيباد)، التي كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أحد المبادرين بها، مع استمرار الجزائر في أعمالها التضامنية مع دول الجنوب بمسح ديون العديد من الدول الأعضاء بحركتنا وتكوين الآلاف من إطاراتها في كل القطاعات والمساعدة على بناء قدراتها الوطنية .
لقد شكل إعتماد برنامج أهداف التنمية المستدامة لما بعد 2015 من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال دورتها 70، ونتائج المؤتمرات العالمية الكبرى التي أعقبتها، بما في ذلك مؤتمر أديس أبابا حول تمويل التنمية واتفاق باريس حول المناخ، انجازا هاما لتدارك جزء من هذه التحديات لا سيما تلك المخاطر المهددة للتوازنات الأساسية للمنظومة الاقتصادية والسياسية والقانونية العالمية.

 

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة

تؤكد الجزائر، بهذه المناسبة، على أن إصلاح الأمم المتحدة ومواصلة الجهود الرّامية لتوسيع عضوية مجلس الأمن، بصفة خاصة، يمثل ضرورة ملحة ومطلبا رئيسيا لبلداننا منذ أمد بعيد، ذلك أن التحولات العميقة التي تشهدها العلاقات الدولية اليوم والتحديات المتعددة الابعاد التي أفرزتها العولمة، تتطلب إعادة هيكلة عميقة وفعلية للنظام الدولي بشكل يكفل لبلدان الجنوب المشاركة الفعلية في عمليات اتخاذ القرار على المستوى الدولي.
كما يتعين علينا تفعيل دور الجمعية العامة، باعتبارها الإطار الأكثر تمثيلا للدول الأعضاء والمنبر الجامع لضمير المجتمع الدولي، حتى يتسنى لهذا الجهاز ممارسة صلاحياته خدمة للأمن والسلم الدوليين.

أصحاب الفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة

إن النظام الدولي الجديد الذي نطالب به هو نظام مبني على الاحترام الكامل والدقيق للالتزامات المترتبة على كل طرف بموجب ميثاق الأمم المتحدة وبخاصة تعهد كل الدول بالعمل على العيش بأمن وسلام وفي جو من التسامح والتعاون والتضامن وحسن الحوار، وتشجيع الرقي الاجتماعي في كنف الحرية والعدالة ومن خلال توفير الشروط الكفيلة بإعادة التوازن في العلاقات الدولية خدمة للإنسانية.
تبقى الجزائر مقتنعة بمبادئ وغايات حركة عدم الانحياز ولن تدخر أي جهد من أجل استمرار نجاح الحركة الذي يظل مرهونا بوحدتنا والاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها حركتنا في تثمين قدرتها على التفاعل الايجابي مع التطورات المتسارعة على الساحة الدولية. كما أن الجزائر على ثقة كاملة في مستقبل هذه الحركة التي تمثل منبرا متميزا للتعبير عن طموحات وآمال شعوبها وإطارا فعالا لتجسيد هذه التطلعات بما يخدم الأمن والسلم والاستقرار والعيش الكريم في شتى أرجاء المعمورة.

 

أشكركم على حسن الإصغاء
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

بواسطة أخبار دزاير

أخبار دزاير: جريدة إلكترونية وطنية شاملة تهتم بنشر أهم الأخبار الوطنية، الثقافية والسياسية ووالاجتماعية والرياضية بالجزائر.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.