تأملات رمضانية: طبقات الجدال المثمر بقلم الأستاذ شنيبة قسمية

في سورة الشعراء من القرآن الكريم، تستوقفك صور تربوية وإجتماعية رائعة تعلمك كيفية التفاعل والتعامل مع كل مرحلة على حدى من مراحل متطلبات الجدال مع من يخالفك الرأي، و يستنبط منها ما يجب فعله عند نقطة التصعيد القصوى للحوار بالتوجه العكسي لمنحنى تصاعد الطبقات الصوتية والجنوح لتخفيف حدته في اللحظة الفارقة، وربما أيضا السعي جاهدا لإيجاد مساحة للتلاقي و المثال هنا ما فعله موسى عليه السلام مع فرعون وما دار بينهما، ليبدأ بالتصعيد الحاد في اللهجة لسيدنا موسى (حسب مقتضيات النقاش) كرد فعل منطقي لسؤال فرعون المستفز والمستهزيء “وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟” بجوابه : ” رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ” ليأتي رد محاوره مستخفا أكثر : “قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ” فيعقب النبي موسى بتحد وثقة أكبر مع زيادة في نبرة اللهجة :”قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ” ليكون رد فرعون متوقعا فيه تهكم وإزدراء : “قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ” وهنا تبرز جليا علو طبقات أصوات المتحاورين وتبدو أكثر إنفعالا وشدة فيزيد سيدنا موسى من رفع التحدي بإستماتة أكثر في تعريف ربه الذي يعبده لمجادليه بمفهوم أوسع يتجاوز محيطهم بكثير : ” قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ” ليلجأ فرعون كحل أخير له للغة المهزوم وهو التهديد والوعيد بعد أن استشعر بالإحراج :”قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ”.
وهنا تأتي النقطة الفارقة من التحول التنازلي في توجيه دفة الحوار من طرف موسى عليه السلام بجنوحه لرقة وهدوء أكثر في الصوت والطرح ، من خلال الإنتقال بمجادله إلى مساحة ممكنة للتلاقي فربما استدرك في هذه اللحظة سيدنا موسى وصية ربه له حول طريقة الحوار “فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى” أو قد أعطى أيضا اعتبارا لسنوات الطفولة التي قضاها في القصر عندما بادره فرعون بقوله له : ” أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ؟ ” لذلك أجابه بقول فيه الكثير من اللين والهدوء فيخاطب القلب بشيء من الترغيب بــقوله لفرعون : “أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ؟ ” وهنا العجب أيضا في المحصلة والنتيجة ورد الفعل من خلال التجاوب الإيجابي السريع (حتى من فرعون المتكبر المستبد برأيه) مع توجه ومنحنى الحوار الجديد الذي فرض عليه برده الهاديء لموسى: ” فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ”. وهنا نتعلم أن الجدال والحوار المثمر والمرجو منه الفائدة لا يجب أن يكون تصاعديا وتصادميا على طول الخط بل يجب أن يشهد مرحلة هدوء والبحث عن نقاط تلاق ليكون بناءا ومجدي وهو ما يجب أن يكون جزءا من ثقافتنا الحوارية إمتثالا لقيم ديننا وقرآننا العظيم، ونستشف أيضا النُّكْتَةُ الطيبة (على رأي أهل البلاغة في توصيف الفكرة النافعة) حول الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم من أن نصوصه لا تقدم للمتلقي أو السامع له روايات صامتة بل أيضا مشاهد تصويرية تفاعلية غاية في الدقة والتوصيف والروعة كأنها تحدث أمام ناظرك وتنقل لك تفاصيل الأحداث وإنفعالات أبطالها حتى من الصوت والحركة ، إنه بحق القرآن الكريم الذي لا تنقضي بل وتزداد عجائبه وإعجازه كلما تعمقت إبحارا وفهما فيه أكثر.
تقبل الله صيامكم وقيامكم…
بقلم الأستاذ شنيبة قسمية

بواسطة أخبار دزاير

أخبار دزاير: جريدة إلكترونية وطنية شاملة تهتم بنشر أهم الأخبار الوطنية، الثقافية والسياسية ووالاجتماعية والرياضية بالجزائر.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.