قراءة  في عنوان ” كولونيل الزبربر ” للروائي الحبيب السايح بقلم الكاتب بلقاسم الشّايب

قراءة في العنوان:

كولونيل الزبربر هو عنوان رواية للروائي الحبيب السايح صدرت طبعتها الأولى عن دار الساقي ببيروت.

سنجعل من العنوان وحدة نصيّة مصغّرة قابلة للتحليل اللغوي ، وبؤرة انطلاق في قراءتنا من حيث أنها عتبة أولى تفتح أفق السؤال حول ماهية المتن ،ونعني من مستويات القراءة تلك التي يكون فيها استباق المعنى بناء على التخمين، وليس النص الأدبي وحده مدار اهتمامها – أي أنها تتوسل بوسائل خارجية ليست من داخل النص نفسه .مدرجين في ذلك السياق والقصدية، ” لأن السياق يضع العنوان في مقام يتعالى عن أي حصر لجملة من دون النظر إلى ظروف إنتاجها، و” قصدية العنوان “تتأسس على علاقته بخارجه سواء أكان واقعاً اجتماعياً أم نفسياً، وعلى علاقته بقصد الكاتب” .(1)

فالكاتب عندما يختار عنواناً فإنه يقصد توجيه القارئ نحو المجال الدلالي لنصه كشجرة تؤم غابة السرد.

وهنا في هذه الوحدة النصية “الديباجة”( كولونيل الزبربر) تكمن الرؤية والخيارات، وقد ننفذ من خلال كلمتين تشكلان جملة – وهو أقصى اقتصاد لغوي لجملة عربية- إلى مضامين المتن عبر طرح السؤال بتقليب الجملة على أوجهها الإعرابية والبلاغية.

وبالرغم من أننا هنا أمام تركيب لجملة لا حظ للعربية فيها سوى أل التعريف التي أزالت الإبهام حول الاشتباه، وعيّنت علاوة على استعمال الحرف العربي اللغة التي كتب بها العنوان.- والجملة هنا لها صفتها الوصفية لا القدحية – فقد لاحت أمامنا حزمة من الأسئلة التي قد يتساءلها أي قارئ نهم حين يقف أمام الرواية على رفّ مكتبة، و يلمح غلافها الحاوي لملامح رجل يعتمر قبعة منزوعة الشعار، وتقع عينه على العنوان المركب من ثلاث لغات.فيود الولوج إلى فحوى المتن كإجراء يفرضه التوقع، ويقتضيه فضول القراءة والتنبؤ والمشاركة في بناء النص.

إذن فالجملة(كولونيل الزبربر) عامة، هي إخبار حول شخص الكولونيل،والتأويل الإعرابي لها هو:

كولونيل خبر لمبتدإ محذوف تقديره هذا وهو مضاف .. أما كلمة الزبربر فمضاف إليه علاوة على أنّها تجلي بعض صفات هذا الكولونيل في حال ما إذا عوضنا كلمة الزبربر بمسمّاها وهو الجبل المعروف بوعورته، والجبليّ سواء أكان مدنيا أو عسكريا يتّسم عامّة بشخصية مقاومة للطبيعة، كما أنّ الجبل عاصم لأي لاجئ أو مقاوم أو متجرد أو هارب من المجتمع، وهذا الإلحاق والربط بين الكلمتين فيه قصدية الكاتب مما يبيح لنا التكهّن حول شخصية الكولونيل التي أوحى وجودها في الديباجة بأهميتها ربما كشخصية محورية في الرواية.

رواية كولونيل الزبربر
رواية كولونيل الزبربر

وكلمة كولونيل غربية استعارتها كثير من اللغات الحيّة، و تعني العظيم في عمومها واصطلاحا تعني رتبة عسكرية سامية، ومقابلها في العربية عقيد، أما كلمة الزبربر فهي كلمة أمازيغية على الأغلب، وتعني نوع من الشجر الذي ينبت في الغابات ولا يثمر، وإليها ينسب الجبل المعروف، وكذا القرية الواقعة في منطقة الأخضرية في سلسلة الأطلس التلّي الجزائري .

وإذا كانت تسمية الجبل قارّة ولا بديل عنها، فلم اختار السايح كولونيل بدلا عن عقيد، وهو المولع باللغة العربية إلى حدّ اتهامه بالاشتغال عليها في منتوجه السردي.؟؟

قطعا لابد لذلك من سبب أو أسباب، ولتقفي الأسباب لابدّ من التفصيل بالسؤال:

هل اختارها للتدليل على شخصية غير جزائرية مثلا؟

خصوصا وأنها ارتبطت في المخيال الشعبي الجزائري بالقهر و بالمستعمر ؟؟

قد تكون هذه إشارة أولى تفيد أن هذه الشخصية غير عربية، ولا نجزم بذلك.

أم اختارها للإشارة إلى عقيد جزائري نال هذه الرتبة من المدارس العسكرية الفرنسية؟

وفي التاريخ الجزائري لم ينلها إلا بن داود المشهور بالمثل الجزائري الدارج (العربي عربي ولو كان الكولونيل بن داود) وهي كذلك إشارة تفيد انتحال صفة الغير.

أم اختارها للإشارة فقط إلى المضمون الثوري، أو العسكري للرواية ؟

لكن إذا كانت إشارة للمضمون الثوري أو الحربي أو حتى العسكري على سبيل التعميم، فإضافتها إلى كلمة الزبربر تحيل في التاريخ الجزائري الحديث إلى حربين شرستين هما حرب التحرير الجزائرية، والحرب الأهلية. فهل اختارها بدلا عن عقيد درءا للبس الذي قد يقع فيه القارئ حين يربط الأمر بأحد عقداء الثورة أو أمراء الإرهاب، أم ليقول لنا أنها شخصية روائية باسم عالمي لا غير؟

وهنا يكمن إغراء العنوان حين يُحمل على تأويلات شتى، لأنّ هذا الاقتران (كولونيل بالزبربر) يشير كذلك إلى حرب ثالثة .. قد تكون ضمن العالم الروائي، وهنا يكمن القصد من السؤال:

هل الكاتب يريد تهريب بعض التاريخ في جزئياته التي لا يتضمنها التاريخ الرسمي ضمن عالم روائي يستوعب كل المتغيرات.؟

ذلك ما سيجيب عليه المتن،ولو أنّ في كل حالات الحرب الثلاث ثمة علاقة بالتاريخ كمعطى يساعد على فهم المتن وإسقاطاته كما يشي بمعادلاته الموضوعية في الواقع، إذ أن الرواية ” كفنّ متخيل” وعالم يستوعب كل المتغيرات يمكنها أن تقتحم مناطق لا يمكن للتاريخ أن يغطيها مهما اتّسم بالموضوعية والتسكّع في أقبية المكان والزمان.. نقول هذا – رغم لجوء الروائي في تشكيل العنوان إلى الجملة الاسمية للتخلص من يقينية الحدث – ولنخلص إلى أن التركيب يشير ابتداء إلى معطيات أولية تتصل بالعالم الروائي وهي:

– المكان وهو الزبربر.

– الزمان ولن يخرج عن نطاق ثلاث.. حرب التحرير، أوالعشرية السوداء، أوحرب ضمن العالم الروائي.حتى لو أن الجملة الاسمية لا تحيل إلى الزمن فإنّ السياق يجلي ذلك.

– الكولونيل شخصية محورية في الرواية.

– الأحداث تتّسم بالحرب.

– تعالق وتناص العنوان مع عناوين أخرى ..رواية “الكولونيل شابير” التي كتبت باللغة الفرنسية، للروائي الفرنسي، ورواية “ليس للكولونيل من يكاتبه” التي كتبت بالاسبانية لغارسيا ماركيز. وهذا يشير أن كلمة كولونيل تستعمل في كثير من اللغات كتوصيف عالمي.وهو ما يدعّم اختيار الكاتب لها بدلا عن عقيد.

– وسؤال عالق:هل هي رواية الذاكرة؟

– التجنيس المدون على الغلاف(رواية) يوحي بأن الأحداث من نسج خيال الروائي.

وحول الغلاف قبل تسجيل ملاحظة عدم علمنا إن كان المؤلف له دخل في تصميمه نشير إلى أن التشكيل البصري للغلاف يوحي بطغيان شخصية الكولونيل التي اختار لها الفنان قبعة بعيدة عن الجيش النظامي المعروفة بأناقتها مع احتوائها لشعار الجيش أو الدولة التي ينتمي إليها الكولونيل..فاختيار القبعة مجهولة الهوية يشير أكثر إلى عقداء حرب التحرير الذين عادة مايخفون رتبهم وأسماءهم للتمويه، وذلك الوجه الشبه الكاريكاتوري لشخص نحيف ذي عينين جاحظتين وبلحية مستطيلة والبياض الذي خلفه والمشوب بمزيج ألوان أخرى تلطخ نصاعته.. كل هذا يشي بتفاصيل قد تكون مبثوثة في المتن .. ولو أن اقتران اللحية بالقبعة يحيل كذلك إلى مقاومين من أمثال شيغيفارا وفيدال كاسترو، أمّا تعمّد إخفاء الكتفين فهو بسبب إخفاء الرتبة ربما.

ومن المعروف أنّ اللون الأبيض ذو دلالات كثيرة لكنه إذا ارتبط بالجيش، أو الحرب فإنه يعني الهدنة أو الاستسلام، ولو أن الأبيض كما قلنا – مشوب بمزيج ألوان مختلفة تلطخ نصاعته.كخلفية هو دلالة على عدم نظافة الحروب وصفائها.

كل هذه التساؤلات المفترضة عادة ما تطفو على سطح ذهن أي قارئ تشكّل صورة قبلية ترغّب القارئ في الولوج إلى المتن والمشاركة في النص.

ـــــــــــــــــ

1) اللسانيات في الثقافة العربية وإشكالات التلقي حافيظ إسماعيلي علوي

بواسطة أخبار دزاير

أخبار دزاير: جريدة إلكترونية وطنية شاملة تهتم بنشر أهم الأخبار الوطنية، الثقافية والسياسية ووالاجتماعية والرياضية بالجزائر.

تعليق واحد

  1. شكرا لك سيدي على هذه الافادة …نحن القراء باقون على التواصل معكم رغم بعد المسافات لان ما بيننا لا يمكن قياسه بشيء …ما بيننا كان صادقا الى حد لا يصدق و سيبقى كذلك … نحن نتابع كتاباتكم وابداعاتكم انتم الكتاب لانكم صورة ومراة للشعب الجزائري …نرجو لكم التوفيق

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.