ركن بازيّات : الوطَنُ في عُيونِ النَّشْء.. بقلم الأستاذ يوسف الباز بلغيث

ليس مبحثُ هذه المساحة الصّغيرة تشخيصَ مبتغياتِ نشْئِنا المعاصر، لأنّ المجال يستدعي رصدًا إحصائيًّا ، نفسيًّا واسعًا لما يدور في فلك وجدانهم إزاءَ فكرة ” الوطن ” ،و لكنّ الخاطرَ المتسلّل بشغفٍ إلى هذه المساحة يريد توجيهَ نظرِ النّشْءِ إلى ما يجري حولَه من متغيّراتٍ، بدْءًا من محيطِه الكبير و ٱنتهاءً إلى محيطِه الصّغير.

bez

قيمةُ الوطن و مقوّماتُ خدمته :

.. لا مريّة في أنّ حبَّ الوطن لا ٱختلافَ فيه ؛ بل إنّ مَنْ يدعّي أن يهجرَ وطنَه لسببٍ ما لابدَّ من أنّه قد بدأت فكرةُ هجرانِه بحبٍّ عميقٍ ، و تصوُّرٍ وجدانيٍّ خلاّقٍ تجاهه ، ثمّ بدا أنَّ الوطنَ الذي لم يفِ بحقّه قد يكون الهروبُ منه بدعوى الاغتراب وجهًا من أوجه عدمِ الرّضا عن أوضاعه،و درْءًا لقضيّة ” العالة عليه “و في الحالتين نجدُ الوطنَ يتقاسمُ ألمُه و أملُه قلبًا ، قالَ بحبِّه ، فخانتْه ظروفُ الواقع .

القدوةُ الصّالحةُ و ضرورةُ المجايلة :

.. إنَّ مَنْ يهيمُ قاصدًا مَعْلَمًا ما و لا دليلَ أو خبيرَ معه يرشدُه الطّريقَ سيتيهُ حتمًا ؛ و إنْ وصل إلى مُبتغاهُ سيصلُ مُنهَكَ القوى ،و قد ضيّعَ وقتًا ثمينًا، أتى على فراغه و صحّته و تفكيره؛ و لن يفيدَ من عنجهيّةٍ عمياءَ بحُكم أنّه قد أصبحَ راشدًا ، يعرفُ ما يضرّه و ما ينفعه ، و في هذا ينبغي أن يبحثَ النّشءُ الواعدُ في تاريخه عن نماذجَ و أمثلةٍ تسطّرُ له معنى هذا الحبّ الفريد _ وإن كان سيكتسبُه على فطرةٍ تحتاجُ إعادةَ تشكيلِ تقاسيمه_ و من ثَمَّ ستتبلورُ تجربتُه عن قوالبَ متينةٍ ، لها نظائرُ قريبةُ العهد منه، يستطيعُ أن يصلَ إلى تجربتِها ، مشكّلاً تجربتَه المؤسَّسةَ عن أرضيّةٍ صلبةٍ و أساسٍ متين.

الشّخصيّةُ المكتسبَة عن خواءٍ وطنيٍّ :

.. يعتقدُ بعضُ الشّباب أنّ تصوّراتِ تلك النّماذج _ في فتْقِ تجاربِهم المختلفة _ هي حالةٌ عابرةٌ ، يستطيعُ تخطّيَها، و بدلَ أنْ يبنيَ أفكارَه و رؤاهُ على بناء هؤلاء ، و يضيفُ إليها ما يراه مناسبًا موائمًا لعصره، يهدمُ البناءَ ،و يشيِّدُ هندستَه في حبِّه للوطن بأفكاره الغضّةِ دونَ درايةٍ و تقديرٍ لعاقبةِ طيشِه و عنفوانه..!

.. ليس مُنتهى القصدِ التّقليلُ من تجربتِهم الجديدة أو الطّعنُ في صدقِها بقدر ما أريدُ أن أشيرَ إلى مدى ضرورةِ تلقيحِ الأفكار و تجايُلِ التّجارب؛ فلا سبيلَ للرّقيِّ بوطنٍ نُحبُّه ، و لا نقدّرُ قيمتَه إلاّ بإحساسٍ و أمنياتٍ و تصوّراتٍ. و الأمرُ لا يقفُ عند حدِّ لفظة (حبّ) و فقط ! .. إنّه إحساسٌ و عملٌ و ٱستشرافٌ لما هو آت!.

 التّقليدُ الإيجابيّ و التّقليدُ السّلبيّ :

.. إذا فهمَ النّشءُ ما يدورُ حولَه من أحداثٍ سيثقف جيّدًا الدّورَ المنوطَ به تجاه وطنه ،و قبل ذلك في مشاعره نحوه..و ” السّيرةُ تُنبيكَ عن السّريرة “. فالمقلّدُ للغرب في كلّ شيءٍ قد يجني يومًا ما فائدةً على ضآلةِ مَردُودِها ، و مَن رضيَ بالقشور فلنْ يستفيدَ شيئًا!

.. سألتُ أحدَ الشّباب بعد الصّلاة _ و قد كان لابسًا قميصًا فيه صورةٌ لنجمٍ كُرَويّ شهير_ :” كم سجَّلَ هدفًا ؟ ” فأجاب بعددِ الأهدافِ،و في أيِّ نادٍ يلعبُ ،و أينَ و كم يتقاضى !.. و لكنّه فُوجئَ عندما أعلمته بأنّ هذا النّجمَ يتقنُ أربعَ لغاتٍ و يحضّرُ للدّكتوراه. فما معنى أن يصلَ إلى نُهى شبابِنا و أبنائنا معنى تقليدٍ سطحيٍّ من وراء تسريحةِ شعرٍ أو بذلةِ “جنيز” مشرشفةٍ لهذا النّجم ، و يتمُّ حَجْرُ تفكيرهِم عن الغاية من هذه النّماذج ،من خلال توجيه نظرهِم إلى قيمةِ العلم لديه في مقابل رياضةٍ و شهرةٍ ستلقيان به إلى ٱعتزالٍ عن قريب، و قد أدّى مهمّتَه بنجاحٍ و إخلاص .

قراءةٌ متأنيّةٌ لتاريخنا و سِيَرِ عظمائنا :

.. إنّ من سبُل ترشيدِ خطى هذا الجيل الواعد قراءةَ سيرة عظماءِ هذه الأمّة عبرَ تاريخها المجيد الطّويل..و لا يضيرُه أن يقرأَ عن نماذجَ أجنبيّةٍ ، ضربتْ أمثلةً مشرقةً في مسار الحضارة الإنسانيّة..و لا شكَّ أنّ سياساتِنا التّعليميّةَ الحكوميّةَ و التّربويّةَ و الأسريّةَ ستحتاجُ إلى مراجعاتٍ عديدةٍ لاستدراكِ الوضع قبلَ فوات الأوان.و في حديثي عن القوالب المتينة في سير التّحليل يجبُ أن نضيفَ إلي تلك القدوةِ الصّالحةِ معنى الاعتزاز برجالاتِنا و حضارتِنا و دينِنا و لغتِنا ، ليتغلغلَ حبُّ الوطن الحقيقيُّ إلى سويداء القلب ، فيترجمُ اللّسانُ و اليدُ و القلمُ و الفكرُ هذا الحبَّ مشروعًا يسمو بالوطن عن جدارةٍ و صدقٍ و مكاشفةٍ مع الذّات .

•     •     •

.. كفى بشبابنا استهتارًا و انسياقا وراءَ سرابٍ و شعاراتٍ و خيالاتٍ مزيّفةٍ ، يهمسُ لهم في آذانهم بأن لا خيريّةَ في وطنٍ كسَاهُم و علّمَهم ، و آمنَهم من جهلٍ قابعٍ أو عدوٍّ مخادعٍ ؛ و أخفى الحقيقةَ القائلة إنْ أكرَمَهم أذلَّ عزّتَهم و وُجودَهم ، و إنْ أذلّهم أكرمَ عُبوديّتَهم !.

فكم يساوي الوطنُ عندكَ أيّها النّشءُ الواعد ؟!..و كيف سترى وطنًا يبتسمُ إليكَ ؛ و عينُك رمداءُ توحي إليك بخيالٍ ، يشكِّلُ لك ملامحَه شيخًا لا نفعَ منه ؟!.

الجزائر / 2011

 

بواسطة أخبار دزاير

أخبار دزاير: جريدة إلكترونية وطنية شاملة تهتم بنشر أهم الأخبار الوطنية، الثقافية والسياسية ووالاجتماعية والرياضية بالجزائر.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.